أبو الليث السمرقندي

390

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا فكرهوا رجمهما ، فكتبوا إلى يهود بني قريظة أن يذهبوا بهما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فإن حكم بالجلد رضوا عنه بحكمه ؛ وإن حكم بالرجم لم يقبلوا . وروى نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذكروا له أن رجلا وامرأة زنيا . فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم ؟ » . فقالوا : يحممان ويجلدان ، يعني : تسوّد وجوههما . فقال عبد اللّه بن سلام : كذبتم إن فيها آية الرجم ، فأتوا بالتوراة . فأتوا بها فنشروها ؛ فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، وقال له عبد اللّه بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده ، فإذا فيها آية الرجم . فقالوا : صدق عبد اللّه بن سلام ، يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرجما . قال ابن عمر : فرأيت الرجل يحنو على المرأة يقيها الحجارة . وروى الشعبي عن جابر بن عبد اللّه أنه قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن يسألوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فإن أمركم بالحد فحدوه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه ، فسألوه ، فدعا ابن صوريا وكان عالمهم ، وكان أعور ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنشدك اللّه كيف تجدون حدّ الزّاني في كتابكم » ؟ . فقال ابن صوريا : فأما إذ ناشدتني باللّه ، فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية ، والاعتناق زنية ؛ والقبلة زنية ، فإن شهد أربعة بأنهم رأوه كالميل في المكحلة فقد وجب الرجم . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هو ذلك » . وروي عن أبي هريرة قال : بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ جاء رجال من اليهود ، وقد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن ، قالوا : فانطلقوا فلنسأل هذا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإن أفتانا بفتوى فيها تخفيف ، فاحتججنا عند اللّه تعالى بها ، وإن أفتانا بما فرض اللّه علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك . فقد تركنا ذلك في التوراة وهي أحق أن تطاع ، فقالوا : يا أبا القاسم إنه زنى صاحب لنا قد أحصن ، فما ترى عليه من العقوبة ؟ . فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقمنا معه ، حتى أتى بيت مدراس اليهود ، فوجدهم يتدارسون التوراة فقال لهم « يا معشر اليهود ، أنشدكم باللّه الذي أنزل التّوراة على موسى - عليه السّلام - ما تجدون في التّوراة من العقوبة على من زنى وقد أحصن » ؟ . فقالوا : إنا نجد أن يجلد ويحمم ، وسكت حبرهم وهو في جانب البيت ؛ فأقبل النبي صلى اللّه عليه وسلم ينشده ، فقال له حبرهم : إذا ناشدتنا فإنا نجد عليه الرجم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كان أوّل ما ترخّصتم به أمر اللّه تعالى » ؟ ، قال : إنه قد زنى رجل قد أحصن ، وهو ذو قرابة لملك من ملوكنا فسجنه ، وأخر عنه الحد ، وزنى رجل آخر ، فأراد الملك رجمه ، فجاء قومه وقالوا : لا ترجمه حتى ترجم فلانا ، فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم ، وتركوا الرجم . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فإنّي أقضي بينكم بما في التّوراة » ، فنزل قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ . قال الزجاج : يعني : من بعد أن وضعه اللّه تعالى مواضعه ، وأحل حلاله وحرم حرامه .